أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

451

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

خفّفت على القياس إلى آخره » لا يفيد أيضا لأن الاعتبار بالإدغام سابق على الاعتبار بتخفيف الهمزة . ولذلك موضع يضيق هذا الموضع عنه . ووزن أئمّة : أفعلة ؛ لأنها جمع إمام ، كحمار وأحمرة ، والأصل أأممة ، فالتقى ميمان فأريد إدغامهما فنقلت حركة الميم الأولى للساكن قبلها ، وهو الهمزة الثانية ، فأدّى ذلك إلى اجتماع همزتين ثانيتهما مكسورة : فالنحويون البصريون يوجبون إبدال الثانية ياء ، وغيرهم يحقق أو يسهّل بين بين . ومن أدخل الألف فللخفّة حتى يفرّق بين الهمزتين ، والأحسن حينئذ أن يكون ذلك في التحقيق كما قرأ هشام . وأمّا ما رواه الشيخ عن نافع من المدّ مع نقله عنه أنه يصرح بالياء فللمبالغة في الخفة . قوله : لا أَيْمانَ قرأ ابن عامر : « لا إيمان » بكسر الهمزة ، وهو مصدر آمن يؤمن إيمانا . وهل هو من الأمان ؟ وفي معناه حينئذ وجهان أحدهما : أنهم لا يؤمنون في أنفسهم أي : لا يعطون أمانا بعد نكثهم وطعنهم ، ولا سبيل إلى ذلك . والثاني : الإخبار بأنهم لا يوفون لأحد بعهد يعقدونه له . أو من التصديق أي : إنهم لا إسلام لهم . واختار مكي التأويل الأول لما فيه من تجديد فائدة لم يتقدّم لها ذكر ؛ لأنّ وصفهم بالكفر وعدم الإيمان قد سبق وعرف . وقرأ الباقون بالفتح ، وهو جمع يمين . وهذا مناسب للنكث ، وقد أجمع على فتح الثانية . ومعنى نفي الأيمان عن الكفار ، أنهم لا يوفون بها ، وإن صدرت منهم وثبتت . وهذا كقول الآخر : 2492 - وإن حلفت لا تنقض الدهر عهدها * فليس لمخضوب البنان يمين وبذلك قال الشافعي . وحمله أبو حنيفة على حقيقته : أن يمين الكافر لا تكون يمينا شرعية ، وعند الشافعي يمين شرعية . قوله تعالى : أَوَّلَ مَرَّةٍ : نصب على ظرف الزمان ، وأصلها المصدر من مرّ يمرّ . وقد تقدّم تحقيقه . قوله : « فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ » الجلالة مبتدأ ، وفي الخبر أوجه : أحدها : أنه « أَحَقُّ » و « أَنْ تَخْشَوْهُ » على هذا بدل من الجلالة بدل اشتمال ، والمفضّل عليه محذوف ؛ فخشية اللّه أحقّ من خشيتهم . الثاني : أنّ « أَحَقُّ » خبر مقدم و « أَنْ تَخْشَوْهُ » مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر الجلالة . الثالث : أنّ « أَحَقُّ » مبتدأ و « أَنْ تَخْشَوْهُ » خبره ، والجملة أيضا خبر الجلالة . قاله ابن عطية . وحسن الابتداء بالنكرة لأنها أفعل تفضيل . وقد أجاز سيبويه أن تكون المعرفة خبرا للنكرة في نحو : اقصد رجلا خير منه أبوه . الرابع : أنّ « أَنْ تَخْشَوْهُ » في محلّ نصب ، أو جر بعد إسقاط حرف الخفض ، إذ التقدير : أحقّ بأن تخشوه . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط حذف جوابه ، أو قدّم ، على حسب الخلاف . قوله تعالى : وَيَشْفِ : قرأ الجمهور بياء الغيبة ردّا على اسم اللّه تعالى . وقرأ زيد بن علي : « تشف » بالنون وهو التفات حسن . وقال : « قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ » شهادة للمخاطبين بالإيمان ، فهو من باب الالتفات وإقامة الظاهر مقام المضمر ، حيث لم يقل : « صدوركم » .